دار التنوير

ابنة الجحيم - خيرية بوبطان

QAR 30,00

«ابنة الجحيم» هي واحدة من روايات قليلة تنفتح على نغمة الموت لدرجة يصدق فيها ما قاله قديما أفلاطون: «إن الحكيم يعيش حياته متنبها للموت على الدوام». وما من شك في أن موقفا من الموت- شئنا أم أبينا- تدلل عليه الرواية يقودنا إلى معرفة علاقة الروائي نفسه بالعالم الظاهري، كما في سائر لحظات الوجود، بل يبدو للقارئ أن الكتابة في هذا المسار تشكل طريقة من طرق الرد على ضغوط الموت التي نعيشها يوميا، خصوصا أن وجودنا في حد ذاته مصحوب بحتمية الموت، بل يبدو لي من خلال ما تطرحه الرواية أن الانشغال الذهني في الموت ينبني عليه التزام أكثر جدلية تجاه الحياة نفسها، وهو ما يتكشف في نهاية هذه الرواية التي تجعل من الموت عاملا من عوامل فهمنا وتقديرنا للحياة، بل إن معانقة ولو متخيلة للموت تشكل فرصة ثمينة لرؤية حقائق الحياة.
تتمحور الرواية حول «أسماء» البنت التي فقدت أمها لحظة خروجها لحياة قاسية، تعاظمت قسوتها واشتدت بحضور» آسيا» السريع بديلا عن مكان الأم في البيت، بما خلف شعورا بكراهية ظلت «أسماء» طوال السرد الذي استفردت فيه تعبر عنه بالإحالة إلى هذه المكانة الخاصة التي احتلتها هذه المرأة في قلب الأب، الذي يحضر من منظورها أيضا بحنانه وعزلته وقسوته أحيانا. ما لبثت الرواية بعدها تتقدم بإيقاعات حركية سريعة، كما الشريط ينقل لنا حكايات من عوالم تتوالد فجأة، لتعود وتختفي من جديد، ما أفضى إلى ارتفاع وتيرة تشويش فرضت نفسها لزاما على القارئ، وهو يطالع عوالم متقافزة بين الحقيقة والوهم، وهي عوالم أدهشتنا منذ بدايات أطلت علينا فيها «أسماء» جنينا تحكي انحيازها للبطن الذي احتواها، إلى أن تأتي الأقدار ذات ليلة يتآخى فيها الموت والمطر وتحرمها أمها، لتظهر مع هذا التآخي كائنا فوق عادي، نرقبها بكثير من الدهشة وقد اتخذت قرارا واعيا بضرورة الصمت والعزلة والانفصال عن عالم لا يفهمها ولا تفهمه، فبدت لنا وقد انسلت مرارا خيطا رفيعا شفيفا بجسد أثيري يتقن لعبة الاختباء وراء حجاب نسجته بحيلة أتقنتها بفضل ما تمتلكه من انشطارات جسدية، مكنتها من اختراق الأشياء والتلصص على الغرف المغلقة، بما في ذلك دماغ زوجة أبيها التي كانت بنظرها خارقة مرعبة، مما رأته مكسبا يضفي عليها شعورا محببا بالزهو والهيبة اللذين تعاظما مع تكرار تجربة الاختراق مع أبيها، التي منحتها سلطة وقوة جعلتها مصدر هيبة واحتراز ممن حولها، ويبدو من المفيد هنا الإحالة إلى عبارة في الرواية تقول: «في الحب تقاد لمن تحب، في الكره تحاول السيطرة». وهي عبارة نستطيع من خلالها تفسير رغبة في السيطرة تجتمع ومشاعر الكراهية في داخل «أسماء»، لذلك وجدناها تفقد قدرتها على الاختراق مع «شمس» أختها بسبب حبها لها. نسمعها في إطار هذا كله تردد ما آمنت به على امتداد لعبة تصفها «إنها الوجه الحقيقي للحياة، حيث البقاء للأقوى، البقاء للأقوى فكرة أزلية أبدية».  
  

Join our Mailing List

Sign up to receive our daily email and get 50% off your first purchase.